الجبهة الشعبية: عبء الماضي وإخفاقات الحاضر

الخليل أحمد لكي لا ننسى
يتفق أغلب المتابعين، المهتمين والمعنيين بقضية الصحراء الغربية، على أن الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و واد الذهب، كحركة تحررية فكر وإيديولوجية سياسية تأطر الكفاح من أجل الإنعتاق من ربق الإستعمار وتحقيق الإستقلال التام، قد تأصلت في تماس تام مع تطور المحيط الإقليمي وتحولاته الجدلية، قبل أن تكتسب الصبغة الدولية وتنتقل من القارية إلى العالمية. لذلك فإدراك السياق التاريخي والمفاهيم الأساسية التي ساهمت في بلورة تنظيم قوي ذى مصداقية يكرس التمثيلية الشرعية الوحيدة للشعب الصحراوي.
وإذا كان التنظيم السياسي قد حاول على مدار أكثر من أربعة عقود ترسيخ معادلة الكفاح المسلح والنضال السياسي من أجل التلازم على أرضية الوحدة الوطنية بكل مكوناتها، بناء على التركيبة السوسيولوجية و قاعدة التوافقات بين المشارب الفكرية وخارطة الإنتماءات الهوياتية والتخندقات في الدوغمائية السياسية. فقد أفرزت هذه التناقضات والممارسات فشل في تحقيق قدر من التوازن بين السلطة السياسية والرغبة في إنتشاق الحرية. فكيف ذلك ؟
لقد أبرزت سيرورة تكون المفاهيم الأساسية للجبهة الشعبية في سياق تاريخي دولي و محيط إقليمي عرف صراع بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي المتسم بالتوتر و الندية التي طبعت العلاقات الدولية آنداك في ظل حرب غير معلنة بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي لتغدية الصراعات السياسية والإيديولوجية متخدين من حروب الوكالة أداة لحشد التأييد بهدف التحكم في مصادر الطاقة والمواقع الإستراتيجية، مما صاحب هذه الفترة عدة أزمات، جدار برلين، الحرب الكورية، أزمة خليج الخنازير …وعلى إثر ذلك ظهرت منظمة عدم الإنحياز، كرد فعل على الإستعمار التقليدي الذي تغلغل في معظم دول العالم الثالث، بالإضافة الى الحاجة لتكتل يأطر الحراك الدولي والمنافحة عن الدول المستضعفة وبالتالي خلق شروط إنتاج موجة تحررية تساهم في إستقلال أغلب الدول المستعمرة خاصة بعد مؤتمر باندونغ 1955.
لم يكن بمقدور الجبهة الشعبية الإرتقاء الى الثورة المستمرة، خاصة بعد 1970، لو لم تستند على أسس إيديولوجية فكرية إجتماعية. لعبت النخب المثقفة دورا رياديا في البحث عن مسوغاتها النظرية والدفاع عنها بتقديمها كمشروع لا غنى عنه في تحقيق الإستقلال التام عن الاستعمار، وبالتالي بناء نظام حكم على أرضية من الوضوح والمشاركة السياسية والفاعلية التنظيمية في تطبيق مقومات المشروع الوطني وتوفير شروط نجاحه.
فعلاوة على الجانب الأيديولوجي، إستوجب التطور الحاصل على المستوى الإقليمي والدولي تلك العلاقة التلازمية الناظمة لهما التي تحدد إستمرار السيرورة التصاعدية، حيث ان مرحلة الكفاح المسلح ” المرحلة الذهبية في تاريخ الصراع ” وما صاحبه من إنتصارات ميدانية فرضت الجلوس على طاولة المفاوضات والإعتراف شبه المطلق بمناقشة مستقبل الإقليم، رغم أن هذه المرحلة شابها الكثير من التجاوزات والإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو ما يعرف بالشبكات المخربة والمندسة ” شبكة تكنة، شبكة اكليبات الفولة، الشبكة الموريتانية .”.
إنخرطت الجبهة الشعبية في مسلسل التسوية الأممي، إلتزمت بموجبه بوقف إطلاق النار وإنغمست في إجراءات بناء الثقة من أجل التحضير لإستفتاء تقرير المصير، فبقي الملف يراوح مكانه مذيل بعناوين، التضليل، التسويف و إستغلال عامل الوقت لأنه محور الإرتكاز يتمدد و ينكمش على ضوء الإهتمام والضغط الدولي بل غدت مشروعيته مرهونة بمدى إحترام مبادئه على صعيد التطبيق والممارسة و ذلك راجع اساسا الى:
1\ قبل القبول بالمخطط لم يتم دراسته بطريقة عقلانية تستحضر الإحتمالات المستقبلية بطريقة إستشرافية؛
2\ الإرتجالية و التسرع في إتخاد القرار أظهر رغبة في التمسك بأي قشة من الكومة الأممية؛
3\ عدم وجود ضمانات دولية و كأن الأطراف في نفس المستوى من الندية؛
4\ لم يتم إخضاع المسلسل للإستشارة الشعبية ما دام يدخل في إطار القضايا الجوهرية الحاسمة والمصيرية.
بالموازاة مع ذلك عرفت القيادة “الوطنية” المنبثقة من رحم الجبهة الشعبية إخفاقات في التدبير المرحلي، عدم إستعاب التجارب السابقة، تهميش الكفاءات القادرة على تقويم الإعوجاجات وإصلاح الإختلالات، التخبط في تسيير الشأن العام، عدم إقتران المسؤولية بالمحاسبة مما أدى الى تصدع في الهياكل التنظيمية و تآكل البنيات المؤسساتية و إستشراء الفساد في جل تمفصلات الدولة، القطاعات الحيوية أصبحت ملكية خاصة لبعض رموز الفساد مثل التلفزة الوطنية وعرابها العبثي ومن ورائه نخب الإجرام التي تستأثر بمقدرات البلاد والعباد بل أصبحوا يتطاولون على مقدسات الشعب الصحراوي بكل صفاقة، أخرها الصور المهينة والمسيئة لمكانة المرأة الصحراوية داخل الوجدان الجماعي والمس بمنظومته الأخلاقية التي تحكم العلاقات وتعزز التعايش السلمي، فشعب يفتقر للبنية السلوكية الاخلاقية غير موجود ، المؤتمر الشعبي العام أصبح مجرد خردة عتيقة لا يستجيب لتٌطلعات خاصة في هذه المرحلة الحاسمة، كرنفال إحتفالي يقوم بإعادة إضفاء نوع من الشرعية لسياسات مفلسة وفاشلة للإنتهازية المتوحشة.
حقوق الانسان تنتهك نهارا جهارا، الإختطاف القسري لمستشار حقوق الإنسان والمغيب بطريقة ممنهجة لأكثر من عقد ونيف ومازالت الجريمة مستمرة في الزمان و المكان، الإعتقال التعسفي للمدونين الثلات الذين حاولو نخر عباب الحقيقة.
أصبحت قيادة البوليساريو منظومة برغماتية تحركها فقط الرغبة في البقاء، لم تعد تريد رسم خريطة طريق للإنعتاق ولا تطوير آليات الخطاب السياسي ولا الإحساس بمعاناة الشعب الصحراوي، إلا بالقدر الذي يمكنها من الإستمرار برهن المستقبل والمتاجرة بالمصير.

- شارك المقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي :

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق