المؤتمر الشعبي العام، سمفونية الشعارات ومقتضيات الوثيقة الدستورية

فكما أن للإنسان سجل ولادة، أيضا للمؤتمر الشعبي العام تاريخ نشوء. ساهمت في إنتاجه شروط عامة وقررت ميلاده جدلية تطورية في إطار سياق تاريخي محدد .
المؤتمر الشعبي العام هو التسيير الشعبي للحكم، رقابة الشعب على نفسه، يعتبر عصارة كفاح الشعوب من أجل الإنعتاق من ربق الإستعمار وتكريس للديموقراطية بمفهومها الواسع، نتاج لفكر إنساني، ثمرة نضال حاول إستعاب المخاض التحرري في تماس مع التجربة التاريخية الغربية لمفهوم المشاركة الشعبية في صياغة شكل السلطة السياسية.
سنحاول ملامسة مفهوم المؤتمر الشعبي العام من الجانب التاريخي، لأن التاريخ هو أخطر محصول أنتجته كيمياء الفكر حسب بول فاليري. فالتجربة اقترنت بالإرهاصات الفكرية الاولى للنظرية العالمية الثالثة للكتاب الأخضر الذي ألفه القائد الليبي الراحل معمر القذافي، حيث يعرض فيه فلسفته حول أنظمة الحكم و أرائه المتمثلة في التجارب الانسانية كالاشتراكية، الحرية والديمقراطية.
وعند الرئيس اليمني الراحل عبد الله صالح من خلال تأسيس حزبه المؤتمر الشعبي العام، حدد له جملة من المبادئ منها أنه ” لا حرية بدون ديمقراطية، ولاديمقراطية بدون حماية، ولا حماية بدون تطبيق سلطة القانون .”
يعتبر المؤتمر الشعبي العام، الهيئة العليا في تنظيم البوليساريو و قد تضمن الدستور في المادة (9) ” السلطة التأسيسية ملك للشعب يمارسها من خلال ممثليه المنتخبين للمؤتمر .” بآلية التصعيد المباشر ، حيث تقوم اللجنة التحضيرية بتعيين اللجان، دعوة الاتحادات و الروابط المهنية و أمناء الولايات و البلديات والدوائر، تهيئ الظروف وتوفير الإمكانيات اللوجستية الضرورية لانعقاد المؤتمر لمدة منتدبة لكل اربع سنوات.
تبدأ الاشغال بتقييم مرحلة ما بين المؤتمرين، توضع اللبنات الاولى لبرنامج العمل الوطني، تراجع نصوص القوانين الاساسية، انتخاب الامين العام و اعضاء الامانة الوطنية، الهيئات الادارية والهياكل التنظيمية، اصدار قرارات و مواقف بشأن القضايا المدرجة في جدول الاعمال والتي تشمل جميع الميادين، السياسية، العسكرية، الاجتماعية، الاقتصادية، الديبلوماسية، الاعلامية، الثقافية . اضافة الى القانون الاساسي للجبهة الشعبية و دستور الجمهورية الصحراوية .
من بين 14 نسخة حتى الآن، نسجل من حيث الاهمية اربع مؤتمرات ، الاول 10 ماي 1973 تحت شعار ” بالبندقية ننال الحرية ” وهو المؤتمر التأسيسي؛ جاء لإعلان ميلاد الجبهة الشعبية ، وإتخد العنف الثوري اسلوبا من اجل الحرية و الاستقلال. المؤتمر الثالث 25 غشت 1976 جاء بعد استشهاد الولي مصطفى السيد في الهجوم على انواكشوط 9\6\1976 . إجلاء الاستعمار اسباني من الصحراء الغربية. المؤتمر الخامس 12 اكتوبر 1982 تميز بإنضمام الجمهورية الصحراوية لمنظمة الوحدة الافريقية ، المؤتمر الثامن 19 يونيو 1991 انعقد في اجواء الاستعداد و التعاطي مع جهود الامم المتحدة بعد المصادقة على خطة التسوية عبر تنظيم استفتاء تقرير المصير .
لم تسجل المؤتمرات اللاحقة اي تقدم على مستوى البنية الناظمة لهذه الهيئة بل بقيت رهينة الافكار المؤدلجة و الشعارات الاطلاقية ، نسخ مكررة تغيير فقط في العنوان والشعار والتاريخ والمكان ، تجتر نفس الاسلوب بنفس الاشخاص المنتهية الصلاحية و المنتشون فقط بمواقعهم الشكلية ، اختلالات بالجملة تشوب عملية الاقتراع ، عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة ، المشرفين على العملية اصبحو خبراء في التزييف و التدليس من خلال توظيف المحاصصة القبلية ، الاصطفافات الفئوية، الولاءات والمصالح الضيقة . تنافيا مع مقتضيات الدستور ففي المادة (9). “لا يمكن ان تكون الوظائف في مؤسسات الدولة مصدر الثراء ولا وسيلة لخدمة المصالح الخاصة او مصالح ضيقة قائمة على أساس الجهوية او المحسوبية او القبلية “.
اما في ما يخص مجال حقوق الانسان وهو مربط الفرس بالنسبة لنا فهناك هوة سحيقة بين التنظير المجرد في المؤتمرات وحتى في منطوق الوثيقة الدستورية و الوقائع على الارض . ففي المادة (11) ” يختار الشعب مؤسسات غايتها احترام الحريات الاساسية كما يحددها الدستور وتمسكه بمبادئ العدل و الديمقراطية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان و الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الايمان بان حرية وكرامة الانسان الصحراوي غير ممكنة الا في ظل مجتمع يكرس سيادة القانون . والتصميم على بناء المؤسسات الديمقراطية التي تضمن الحريات والحقوق الاساسية للانسان.
إذا اين هو الدكتور الخليل احمد المستشار الرئاسي لحقوق الإنسان والمغيب بطريقة ممنهجة لأكثر من عقد ونيف ؟ الم يعد يسبب احراج لكل الفاعلين في الساحة السياسية لقضية الصحراء الغربية ؟ أسئلة مشروعة في زمن التردي و النكوص.
اذا كان المؤتمر الشعبي العام مجرد هيكل فارغ من الخردة العتيقة لا يستجيب لتطلعات الشعب الصحراوي ورهاناته المستقبلية. والوثيقة الدستورية حبر على ورق مستعصية على التطبيق تعيش على انقاض التاريخ، اصبح من الحتمي استعادة مكانة العقل و مشروعية الاختلاف ليس فقط للخلاص من ثقل المرحلة، بل لتدشين عهد جديد الاولوية فيه لمفاهيم الامة والوطن والمجتمع المدني، عوض العائلة و العشيرة و القبيلة .

- شارك المقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي :

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق