قضية الخليل أحمد بين القاعدة القانونية والممارسة الفعلية

لكي لا ننسى الخليل احمد … في هذا الزمن الرديء، الذي يختنق بالصراعات، تتعرض فيه القيم الإنسانية للإهتزاز، من طرف كهنة تقديس الأفكار السياسية الموروثة، أحبار العرف السائد وجحافل الإنغلاق الفكري والذهني، ورموز نظرية القطيع، تجار أحلام الوهم والكلام المنمق. ومن أجل تسليط الضوء على قضية الخليل أحمد الإنسانية من الناحية القانونية، سنقوم بمحاولة قراءة لمفهوم حقوق الإنسان بين النظرية في الوثيقة الدستورية والممارسة الفعلية، “الدستور الجزائري والصحراوي نموذجا”.

سئل الفقيه اليوناني صولون الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد عن أفضل الدساتير، فأجاب ” قل لي لأي شعب سيعطى، وفي أي زمن؟”. وفعلا يكتسي بعدُ الزمان وتجارب الشعوب مكانة مركزية في تحديد مفهوم الدستور، فهو وليد طبيعي للتجربة التاريخية للمجتمعات، فلسفة وقيم ونظرة للكون والانسان.

النمودج الجزائري:

عرفت الجزائر بعد الاستقلال سنة 1963 صياغة أول دستور على أنقاض اتفاقية ايفيان، حيث كان يغلب الطابع الإيديولوجي على الجانب القانوني، بملامح اشتراكية وهيمنة الحزب الشمولي، فتضمن حقوق وحريات الأفراد وحث على الدفاع عنها واحترامها واستنكار التعذيب والتمييز العنصري والمساس بالسلامة الجسدية والمعنوية للإنسان. وإذا كانت القدرة في البداية مازالت كسيحة تحبو بين من يعرف ومن يهرف، فإن دستور 1976 كان محاولة جيدة افرزتها اعتبارات تاريخية استلهمت ميثاقا وطنيا وأخضًع لحوار شعبي عبٌر بشكل واسع عن الإرادة الجماهيرية في تأصيل الحقوق وتكريس مبدأ المشاركة الشعبية عن طريق استفتاء 19 نوفبر 1976. وقد تضمن في الباب الرابع الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والمواطن، فلا يجوز انتهاك حرمة الإنسان ولا المساس بحريته ولا بحرية رأيه، فحرية التعبير مكفولة والحماية القانونية مضمونة.

وفي بداية اكتوبر 1988 عرفت الجزائر، في ما يعرف بالعشرية السوداء صراعا دمويا كاد ان يؤدي بالبلاد الى ادران المجهول، نتيجة تردي الوضع الاقتصادي بانخفاض سعر النفط في السوق العالمية كمصدر حيوي يغطي 90 في المئة من الدخل الإجمالي للدولة، واحتقان اجتماعي ظهرت ملامحه  في ارتفاع نسبة البطالة، اختلال التوازن المعيشي بانخفاض القدرة الشرائية وتدني الدخل الفردي، وأزمة سياسية تمثلت في إلغاء نتائج الانتخابات التي افرزت تفوق الجبهة الاسلامية للإنقاذ، فتغيرت الواجهة السياسية للبلاد، بولادة التعددية الحزبية، فتم اعتماد دستور 1989 عن طريق استفتاء فبراير وتحت اشراف مولود حمروش، غازي حدوسي ، صلاح بن كحالة …، وبقي يتضمن الفصول التي تمؤسس لحقوق الإنسان والحريات.

بقيت البلاد تعيش ظروف إستثنائية بكل المقاييس، اوضاع مزرية على كل الأصعدة، أعمال تهدد الأمن العام والإستقرار السياسي والمؤسساتي للبلاد، عرفت هذه المرحلة أول انتخابات رئاسية تعددية وانشاء المجلس الوطني الإنتقالي، فتم اعتماد دستور 28 فيفري 1996 لإنشاء المؤسسات الدستورية، مجلس الامة، المحكمة العليا للدولة مع الإحتفاض بنفس المواد التي تأطر الحريات العامة وحقوق الإنسان. جاء عبد العزيز بوتفليقة الى سدة الحكم أبريل 1999 بتدشين عهد جديد قائم على الاستقرار السياسي، التعددية الحزبية ، والإصلاح الاقتصادي ، تحرير السوق ، و الوئام الاجتماعي، المصالحة الوطنية . فهل استطاعت النخب السياسية الجزائرية كسر طوق النظام الشمولي؟ وبناء القدرة على مواجهة أساطين المؤسسة العسكرية المتحكمة في دواليب اللعبة السياسية؟ ام ان الإيديولوجية التقليدية وظفت نخب التعصب الحزبي، عبد الحميد مهري، عبد العزيز بوتفليقة، عبد العزيز بلخادم ، جمال ولد عباس بالقفز على المرحلة بشبه خطاب تنويري بوعاء عقلاني وحداثي منفتح ؟ . ونظرا للضرورة الظرفية قام عبد العزيز بوتفليقة بمراجعة جزئية سنتي  2002 و 2008. وبعد الاهتزازات التي عرفها العالم العربي، فيما اصطلح عليه إعلاميا ب”الربيع العربي”،  أعلن بوتفليقة في خطابه التاريخي للامة 15 أفريل 2011، عن دخول البلاد مرحلة مفصلية ومصيرية للتغيير وتقوية دعائم الديموقراطية من خلال تطبيق برنامج اصلاحات عميقة ورفع حالة الطوارئ، توجت بتعديل دستوري عام 2016؛  قلل من فجوات دستور 1996، بل اعتبره البعض انتصارا جديدا للحريات في الجزائر، ولو من الناحية النظرية والقانونية، وذلك لأنّ التطبيق عادة ما يُوقع القوانين في فخ جدلية النظرية والواقع. لكن بقيت ملفات إنسانية وحقوقية ثقيلة من مخلفات العشرية السوداء والاحداث الاحقة؛ ابرزها ملف الاختفاء القسري وغير الطوعي والذي مازال عالقا ويشكل هاجسا قهريا في الوجدان الجماعي للشعب الجزائري، حيث تم إحصاء ازيد من 7000 حالة بين 1992 و 1998 وأمام هذه المأساة الوطنية تقوم الامهات بوقفات كل اربعاء امام الهيئة الحكومية لحقوق الانسان من اجل المطالبة بالكشف عن مصير فلذات اكبادهن فدخل الفاعلين الحقوقيين على الخط بما فيهم الجمعيات والهيئات التي تعنى بحقوق الإنسان مثل جمعية عائلات ضحايا الإختفاء القسري ، المرصد الوطني لحقوق الانسان، الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان . كما اعربت اللجان الأممية عن قلقها البالغ وانشغالها العميق إزاء حجم وخطورة ظاهرة الإختفاء القسري بالجزائر و اتهمت السلطات بالتراخي في معالجة الملف وعدم وجود تدابير استعجالية ومن المفروض ان  تتحمل مسؤوليتها الاخلاقية في تسليط الضوء على الاشخاص المفقودين . فرغم انضمام الجزائر الى اغلب المواثيق الدولية والقارية التي تعنى بحقوق الإنسان، فقد صادقت على العهد الدولي المتعلق بحقوق الإنسان المدنية والسياسية سنة 1966 ودخل حيز التنفيذ 1976 . كما صادقت على الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان  والشعوب 1981 . ولكنها لم تصادق حتى الآن على الاتفاقية المتعلقة بحماية جميع الأشخاص من الإختفاء القسري لسنة 1992 . وفي السعي لحل هذه المسألة المؤلمة ظهرت مؤشرات تنم عن ارادة حقيقية في خضم هذا الحراك الاخير في تطهير الاجهزة الامنية وتقديم العناصر المسؤولة عن الانتهاكات والممارسات الجسيمة لحقوق الإنسان الى العدالة وكانت البداية بإداع كل من مدين و طرطاق و وكيل الجمهورية السابق وقضاة في المحكمة العسكرية للبليدة والقائمة طويلة السجن. والذين كانوا حسب المصادر الموثوقة السبب المباشر في اختطاف الدكتور الخليل احمد بتواطئ مع البعض من قيادة البوليساريو على خلفيات حقوقية تفضح خروقات جسيمة ارتكبت في حق صحراويين وطبيعة العلاقات الاستثنائية التي تطبعها النفعية والتمصلح من خلال اغداق وزير التجهيز في الحكومة الصحراوية الهدايا الثمينة من مسروقاته التي يبيعها في الاسواق المحلية والاقليمية لتمويل قطعانه البشرية واعطاء الرشاوي السخية لاقبار قضية الخليل احمد الإنسانية.

النمودج الصحراوي:

قرر الشعب الصحراوي الشروع في الكفاح المسلح  ، في حرب تحريرية بقيادة جبهة البوليساريو بهدف تحرير الوطن من الاستعمار ، و لاحقا من الإحتلال بمقاومة لن تتوقف عبر التاريخ دفاعا عن الحرية والكرامة ، ونظرا لضرورة الظرفية تمت صياغة وثيقة دستورية تأطر الايديولوجية السياسية والفكر التنظيمي من جهة و تحافظ على التعايش السلمي الجماعي بسلوك الزامي تفرضه السلطة القائمة بالقوة عند الضرورة من جهة اخرى. ولكي لا ننغمس في التفاصيل التي ساهمت في بلورة فكرة الدستور. سنقوم بعملية استئصال لمحور حقوق الإنسان والحريات ومن تم نضعه تحت المجهر للدراسة والتمحيص. هل حقيقتا هناك تطابق بين القاعدة القانونية في الوثيقة الدستورية و الممارسة الميدانية ؟؟؟ . يقر الدستور الصحراوي بالتمسك بمبادئ العدل والديمقراطية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 10 ديسمبر 1948 ، والميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب الصادر بتاريخ 28 اكتوبر 1981  ففي منطوق المادة 25 يتمتع كل صحراوي بالحقوق والحريات المعترف بها والمكفولة في الدستور دون اي تمييز . وفي المادة 27 الحرية الشخصية مصانة ولا يمكن ان يمنع احد من ممارسة حريته إلا وفقا  للقانون .

من منطلق هذه المواد الدستورية التي تعبر عن صيانة الحقوق من اجل تعميم النظام والعدالة في العلاقات الاجتماعية ، وتخويل الفرد مكانة متميزة داخل المجتمع الصحراوي. وتقديره و الثقة العالية في قدراته الذاتية و العمل على إحيائها واعادة تأكيدها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لكن الملاحظ ان هناك  مفاهيم أخرى مفقودة في الوثيقة الدستورية الصحراوية وهو الإيمان بالحوار وحق الإختلاف و مبدأ المعارضة والتي تعني الحق في تباين المواقف والإعتراض بالقدر الذي تستوجبه حدود المسؤولية الوطنية ، سواء على صعيد الفاعلين في القاعدة الشعبية او على مستوى المؤسسات السياسية ، ثم تنظيم المجتمع الصحراوي تنظيما عقلانيا ، الاولوية فيه لمفاهيم الامة والوطن والمجتمع ، عوض العائلة والقبيلة والعشيرة . فبعد نصف قرن تقريبا من الزمن تركوا لنا حكايات عن الانتصارات سطرت ملاحم اسطورية لتضحية وغور الدم ، كما تركوا لنا قصص عن خروقات جسيمة لحقوق الإنسان مازال ابطالها يتمتعون بالحصانة الابدية، ويتربعون على المراكز المهمة في الدولة الصحراوية ، ودماء الابرياء وانين المعذببن تلاحقهم من الوديان السحيقة لكليب بيلا و وديان تطراد واعكيلت تمبرمة ومن سراديب اعظيم الريح وغياهب سجون الذهيبية والرشيد الرهيب . هذه الانتهاكات التي تعرض لها الصحراويين من المفروض ان تخضع لتحقيق منذ بداية النشأة مع الطفل الثوري البوكرفاوي 20 غشت 1975 في اكليب بيلا، والذي تم اعدامه امام الملأ من طرف بعض القادة المعروفين. ومجموعة اكليبات الفولة والشبكة  الموريتانية 1982 … احداث 1988 وما رافقتها من ممارسات مست من كرامة الإنسان الصحراوي ، التهجير القسري لمجموعة من الاشخاص مع عائلاتهم …عمليات قتل من الخلف لمقاتلين اثناء المواجهات القتالية ضد العدو ، عمليات القتل المرتكبة من طرف الجيش الجزائري لصحراويين عزل يحترفون التجارة ، الاختطاف القسري لمستشار حقوق الانسان الدكتور الخليل احمد بناءا على مواقفه المعلنة المنادية بالمكاشفة ومحاسبة الطغمة الفاسدة و المجرمة التي ارتكبت جرائم في حق الشعب الصحراوي وتلطخت اياديهم الحمراء بدماء الأبرياء .  الاعتقال التعسفي للمدونين الثلاثة على خلفية الرأي والذين لا يزالون قيد الاحتجاز التعسفي و التعذيب النفسي و الجسدي ووو.. هذا مجرد نزر بسيط وقليل لجرائم بعض القيادات التي رهنت مستقبل الشعب الصحراوي من اجل إشباع رغباتهم ونزواتهم  ونوازعهم النفسية الخبيثة والمريضة ، ولم يذخروا جهدا في توظيف كل الوسائل الغير مشروعة لتحقيق اهدافهم الدنيئة ومنها لا الحصر التخوينافوبيا ، التشويه المقصود،  الدعاية المغرضة….

لكن الحبل على الجرار والصحراويين بدأو في استرداد وعيهم ونخوتهم وصحوتهم وسيقومون بتطهيرهم ومحاسبتهم على جرائمهم.

- شارك المقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي :

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق