الخليل أحمد: الحركة التصحيحية في مواجهة الدوغمائية السياسية

فن الحكم .. يقتضي ألا تدع الرجال يهرمون في مواقعهم

نابليون بونابرت 

بقيت قضية الدكتور الخليل أحمد عراب حقوق الإنسان والمستشار الرئاسي، المختطف قسريا لمدة تزيد على عقد من الزمن، تراوح مكانها، تصارع طواحين المكر والخداع وأساطين العبث والإهمال، حيث مازالت في جزء كبير منها تمارِسُ على الأفكارِ غموضا ملتبسا وهاجسا سيكولوجيا، نتيجة محاولة البعض تحوير مسارها الإنساني وجعلها رهينة التجاذبات والمزايدات الضيقة والإنسياخ في الدوغمائية السياسية وبالتالي التيه في صراع التوازنات بين أجنحة جبهة البوليساريو ومنظومتها الأمنية.
فلا يمكن تناول قضية الخليل أحمد بأي حال من الأحوال بمعزل عن الوضع الصحراوي بشكل عام وأحداث هذا العالم المشتعل بحروب الوكالة، فوضى الثورات الموسمية، الأزمات الاقتصادية الطاحنة، جشع القوى الغربية المتحكمة بمقدرات وثروات الشعوب المسحوقة ودعمها اللامحدود للأنظمة الإستبدادية والشمولية والحكومات القمعية. لذلك ينبغي أن نتخلص من نفسية المستحيل ونفسية التساهل، فليس هناك شيء سهل وليس هناك شيء مستحيل حسب تعبير مالك بن نبي، فعبر التاريخ، قضايا الأمم العادلة والمشروعة لا تفشل فقط بفعل الطغيان بل أيضا من خلال الغباء السياسي والتخلف الفكري المقترن بالإختلال في تقدير الأمور وعدم القدرة على إستيعاب رهانات الحاضر بكل تمظهراته والإخفاق في بناء وعي يستشرف المستقبل من خلال إستقراء موضوعي للمعطيات الراهنة بطريقة عقلانية تبتعد عن الطوباوية أو الرغبة المثالية بتحقيق الحلم من خلال الشعارات الفارغة وتسويق الإنتصارات الوهمية.
هل عملية إعادة تدوير آليات المشروع الوطني كفيلة بخلق شروط نجاحه؟ ماهو دور النخب المثقفة في بناء الوعي بضرورة الإرتقاء الفكري والنضج السياسي؟ ماهو الهدف من إقصاء ومحاولة استئصال الأصوات الحرة المنادية بالإصلاح والتغيير؟
لقد فرضت حركة التاريخ وحتمية التطور على المجتمع الصحراوي الإنتقال من حالة البداوة أو مايعرف بالنزعة الرعوية المرتبطة بعدم الإستقرار في البحث عن مراعي للكلأ وإستثمار الخبرة والمعرفة فقط بصيانة قطعان الماشية ومواجهة حياة الطبيعة المتقلبة التي تختزل صراع بلا هوادة في مواجهة الظروف البيئية القاسية، إلى حالة المجتمع السياسي بخلق نظام يمؤسس لقواعد تنظم العيش المشترك والتعايش السلمي الجماعي وفق سلوك إلزامي تفرضه السلطة بالقوة عند الضرورة، ويستوعب كل التمثلات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية.
فكانت بداية البدايات مع الإرهاصات الفكرية الأولى لنشأة نواة الحركة الجنينية مع الفقيد بصيري وفكر المواجهة ضد التغلغل الإستعماري في المنطقة، من ثم الرعيل الأول بزعامة الشهيد الولي مصطفى السيد المتقد حماسا ثوريا، مع المد التحرري والمتشبع بأدبيات الماركسية اللينينية و نظريات البؤر الثورية المستمرة أو خطى سيريماترا الغفارية أو ما يسمى في الفكر السياسي بالصراع الإديولوجي بين القاعدة الشعبية المقهورة أو الطبقة الكادحة والرجعية صنيعة الإمبريالية.
بقيت دار لقمان على حالها كما يقال، واستأثر تيار الحرس القديم بالقرار السياسي الصحراوي واحتكر الفعل الميداني في كل التطورات اللاحقة عبر محطات لا يسع المجال هنا لذكرها، فتم تحريف المسار السياسي ورهن المشروع الوطني بين التجاذبات الإقليمية والتطورات الدولية ومحاولة تدوير أدوات الإشتغال بدون تغيير الشروط المحيطة، فبقيت المحاصصة القبلية، الإصطفاف الفئوي، الموالات ، النفعية، عناوين بارزة لكل دينامية سياسية في إطار المكتسبات الوطنية. وعلى خلفية هذا التراجع الخطير والخلاف الجوهري حول مجموعة من الملفات الحساسة وقعت ممارسات مست النسيج التعبوي وخلقت إمتعاض لدى الكثير من النخب التي حاول البعض منها تصحيح الإطار المفاهيمي الشامل. فكان الخليل أحمد من أبرزهم بمواقفه المعلنة، الدعوة لتحكيم العقل والمنطق والتعامل مع الوضع بعين فاحصة ترصد مكامن الخلل وتقويمها، تصحيح المسار عبر آليات المصارحة والمكاشفة والتصالح مع الذات، فلا يمكن بأي حال من الأحوال التغاضي عن الخروقات الجسيمة لحقوق الانسان التي تمس الوجدان الجماعي وتنال من كرامة الإنسان الصحراوي دون جبر الضرر النفسي والمعنوي وتحديد المسؤوليات والمتابعة القانونية وتفعيل مبدأ عدم الإفلات من العقاب. وعلى إعتبار الدكتور الخليل أحمد المستشار الرئاسي لحقوق الإنسان قد تجاوز الخطوط الحمراء تم وكما هو معلوم وبتواطئ من رفاق الأمس تدبير مكيدة لإقصائه وتغييبه بطريقة ممنهجة عن المشهد السياسي كصوت حر ونزيه ينادي بالتغيير والحقيقة، ولم يكتفوا بذلك فقط بل تم إطلاق العنان للآلة الدعائية والأبواق المأجورة لتشويه سمعته وتصفية منتوجه الفكري ورصيده الثقافي وضرب تاريخه النضالي الحافل الناصع وتضحياته الجسام كباقي الأحرار والشرفاء في سبيل الشعب الصحراوي، وهنا نستحضر مقولة هاشم عبدو “الأقوياء هم الذين يقدمون التضحية ثمنا لماهو أغلى وأعظم”.
فبعد إنجلاء غبار المعارك، ستظهر شمس الحقيقة شامخة، متمردة بعنفوانها، وسترتفع رايات الحق في سماء العدل تنشر الخير وتنثر عبق الحياة.

- شارك المقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي :

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق