قضية الخليل احمد بين التسويف والتخوين

حتى الشياطين على قوتها تتصف بشيء من البراءة، هكذا وصف دوستفسكي في قوة الظلام الشر على أنه عدم الشعور بعذاب الآخرين وخطأ في فهم قيمة الحياة، هذا ليس تماهيا مع التصور المتشائم وليس تجنيا على الخيال والجنون كما يحلو للبعض سامحهم الله، بل هي الحقيقة بكل عنفوانها، لأنها تأتي أحيانا كثيرة من أفواه الحمقى والمجانين كما يقولون. التي حاول البعض من قادة البوليساريو جاهدا تشتيت معناها ووضع الجبهة الشعبية كمنظومة برغماتية تحركها فقط الرغبة في البقاء، لم تستطع على الإطلاق تطوير الخطاب السياسي ولا تجديد آليات المواجهة ولا تكريس الإنتماء الهوياتي إلا بالقدر الذي يمكِّنها من الإستمرار في تدبير مستقبل شعب والتصرف الحصري في مصيره. بل رهنت القضية ظلما وعدوانا بين التجاذبات الإقليمية والتطورات الدولية القائمة أساسا على المصالح الإقتصادية والجيوستراتيجية، مما انعكس سلبا على القاعدة الشعبية التي باتت تعاني من صعوبة شظف العيش وضبابية الأفق وتآكل البنيات التأطيرية والتنظيرية وتَدافع الملفات المرتبطة بوضع حقوق الإنسان وخاصة ملف الدكتور الخليل أحمد، أحد أهم منظري جبهة البوليساريو وعراب منظومتها الحقوقية والذي إختفى في ظروف غامضة في الجزائر العاصمة منذ عقد ونيف.
كيف أختفى الخليل أحمد مع العلم أن الرجل كان يشغل منصب مستشار حقوق الإنسان لدى الرئاسة؟ ماهو دور الآليات وميكنزمات الإشتغال في مجال حقوق الإنسان؟ أم أن المجال أصبح مجزء ويخضع للإنتقائية؟ أين هو الضمير الإنساني؟ هذه الأسئلة وأخرى أيضا شكلت في الآونة الأخيرة حوارا بناءا ونقاشا جدليا بين كل أطياف المجتمع الصحراوي كتعبير عن النضج السياسي والوعي الحقوقي، مما ولد حراكا ميدانيا منقطع النظير تمرد على الطابوهات وإخترق جدار الصمت وهاجس الخوف مكرسا لمفهوم جديد للحق والحرية والإنسان. كنتيجة منطقية للقاعدة الفيزيائية ” لكل فعل رد فعل مساويا له في القوة ومناقضا له في الإتجاه” أو بلغة لفيناس ” ميثاق إحترام الغيرية والدفاع عن الإيتيقيا بالمسؤولية والعدل”.
وكالعادة عادت حليمة لعادتها القديمة فلجأت أساطين العرف العتيق، وشيوخ الفكر الإقصائي والإستئصالي؛ أولا: التعتيم على كل صوت حريص على إظهار الحقيقة وإجلاء الظلمة عن ملف الخليل أحمد الإنساني بتقويم الإعوجاجات ورد الإعتبار لكرامة الإنسان الصحراوي بعد الخمود والجمود الذي عرفته قضية الصحراء الغربية نتيجة النكوص والعجز المزمن لهذه الأساطين الهرمة التي أصبحت تنتشي فقط بمواقعها الشكلية وتبحث عن مشجاب تعلق عليه الإخفاقات والفشل في تدبير هذا الملف المعقد والشائك تحت يافطات عدم المس بالوحدة الوطنية ،القضية الوطنية ، المشروع الوطني، والتوظيف الممنهج لقضية الخليل أحمد الإنسانية في أجندات العدو السياسية. ثانيا إطلاق العنان للأبواق المخرومة والأزلام المأجورة كمن يبيع نفسه للشيطان مثل فوست في مسرحية يوهان كوتي، أليس الحفاظ على كرامة الإنسان الصحراوي وعدم مصادرة حريته وآرائه وتجريده من إنسانيته هو المدخل الأساسي لكل قضية مصيرية ترفع لواء العدالة والحرية ويكون هدفها الأسمى هو الإرتقاء بالإنسان إلى القيم الكونية المشتركة، إذا لم نحترم أنفسنا كيف نطالب الأخرين بحترامنا وإحترام مطالبنا بغض النظر عن كونها مشروعة وذات حمولة كبيرة من المصداقية أم هي عبودية مختارة كما أسماها إتيان بواتييه؟.
فبعد الوعود والعهود الكاذبة القائمة أساسا على المساومات والمزايدات والحسابات الضيِّقة والتي تنم عن فهم قاصر وتحامل مقصود للحقيقة بترويج لأخبار زائفة من أجل التسويف والمماطلة في الكشف عن مصير الدكتور الخليل وظروف وملابسات إختفائه بفبركة الإشاعة حينا وإستعمال أسلوب الخديعة أحيانا كالركوب على مطية الوضع السياسي في الجزائر والفراغ الناتج عن شغور منصب الرئاسة من أجل ربح نقط على حساب عامل الزمن بحكم أنه محور الإرتكاز في القضية بإعطاء الإنطباع أن كل الدوائر الرسمية معطلة وغير قادرة على تدبير الشأن الداخلي وبالتالي إستحالة معالجة ملفات ومن بينها ملف الخليل أحمد كمحاولة يائسة بائسة لذر الرماد في العيون والضحك على الدقون بل الإستغباء والإستخفاف بالعقول. فالجزائر دولة مؤسسات وتشتغل بإضطراد تحت مبدأ الإستمرارية للمجال الحيوي للمرافق الإدارية، فجهاز الشرطة وإدارة السجون والمتشفيات والمدارس وقطاع الكهرباء والماء الكل يشتغل من أجل إستئناف المسار الطبيعي للمؤسسات ولاعلاقة له بالحراك السياسي الذي يعبر عن النضج الفكري والقطيعة مع الممارسات الظلامية التي طبعت الجزائر خلال العشرية السوداء.
وآخرا وليس أخيرا إذا كان التخوين يضيف الإهانة على الجرح حسب المثل الإنجليزي فإن التسويف يعطي الإنطباع للجميع على أن ” ألي مدّركْ بليام عريان” واللي متبوعة ملحوكَة.

- شارك المقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي :

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق