قضية الصحراء الغربية: تفاصيل التاريخ وديماغوجية القيادة

” من عادة التاريخ أن لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها، وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا وتزعجها حينا أخر”

مالك بن نبي

من خلال الأساطير والروايات التي هي غالبا متناقضة، وصف الرحالة القلائل الصحراء الغربية ببلاد الأوهام والخداع، حيث كانت ومازالت في جزء كبير منها تمارس على الأفكار رعبا فطريا وهاجسا أنطولوجيا وإغراء غامض وكمينا محكما للمستكشفون المتهورون، الذين يغامرون فيها من أجل الإنسياخ في الرمال المتحركة والتيه في المفاوز المظلمة، بعدما كان الإنطباع الإنسيابي السائد يعتبرها جنة الله في الأرض، يعيش فيها رجالا مسالمون يعتنون فقط بصيانة قطعانهم في واحات قليلة لكنها خصبة، حياة هادئة ومستقرة كحياة عصور العهد القديم، بجاذبيتها الأخاذة وعزلتها الساحرة التي تترك لدى كل أولئك الذين عاشوا فيها ذكريات الحنين. استئناس يستكمل تفاصيله على الأرض المحترقة بشمس لافحة، وحياة تختزل صراع بلا هوادة ضد ظروف الحياة المتقلبة، ووحشية المكان برحاب الطبيعة السريالية. هذه الرقعة الساخنة جزء من هذا الوجود المتناهي تعبر بأسلوب أكثر إيغالا في الزمن عن غليان سرمدي يترنح بين تفاصيل التاريخ وإحداثيات الجغرافيا والحفريات الأركيولوجية والدراسات والأبحاث الأنتروبولوجية، حيث كانت بداية البدايات مع المستكشف القرطاجي حنون في القرن السادس قبل الميلاد ليستكملها الفرس على يد ساتاسب sataspe ثم بعد ذلك الرومان الذين عرفوا بما يسمى سينيكومبي sénégambie.
وبعد قرون ليست بالقليلة دخل الإيطاليين على خطى أسلافهم برحلة الإخوان فيفالدي vivaldi من جنوا، ثم العرب عبر الفتوحات الإسلامية أو النزوح الجماعي من تخوم الشرق البعيد إلى الأرض الجديدة بحثا عن السلم المفقود ومصادر للرعي والكلأ، ثم الأوروبيين حيث لقوا معارضة محلية شديدة ومقاومة شرسة من طرف القبائل المحلية فحاصرت وجودهم على الساحل فقط.
نحن هنا لسنا بصدد تأريخ للمنطقة، ولا الإنغماس في السيرورات التاريخية، بل فقط مراجعة عابرة للإطار الكرونولوجي للمحطات المهمة في الصحراء الغربية وحتمية التطور وجدلية التغيير مع حركة التاريخ، وهي حركة حلزونية ولدت الإحساس بالإنتماء والشعور بالإختلاف، وبالتالي صد أي تغلغل أجنبي ومواجهة كل عدوان خارجي، والتحول من حياة البداوة إلى حياة المدنية وهو إنتقال لم ينشئ بالصدفة بل قررته وفرضته ظروف إنتاج حلقة تواصلية ترتكز على الذاكرة والتاريخ والمعرفة، وتخلق وعاء تنظيمي يؤسس لقواعد تنظم العيش المشترك وتحافظ على السلم الجماعي، بسلوك إلزامي القصد منه تعميم النظام والعدالة في العلاقات وبناء القدرة على إستيعاب مختلف التمثلات ومستويات الحياة الإجتماعية و السياسية والإقتصادية. 
فكما أن للإنسان سجل ولادة، فللمجتمع السياسي الصحراوي أيضا تاريخ نشوء، فماهي الشروط الموضوعية والذاتية التي ساهمت في هذه النشأة؟ وكيف تأصلت في تماس مع الأوضاع المحيطة، قبل أن تكتسب الشرعية وتنتقل من القارية إلى العالمية؟
– الشروط الموضوعية:
لقد ساهمت الثنائية القطبية التي كانت تكتنف العلاقات الدولية خلال مستهل القرن العشرين وموجة التحرر من براثن الاستعمار الإمبريالي وحالة الصراع والتوتر والتنافس التي كانت تطبع العلاقة بين المعسكرين الغربي والشرقي والنديَّة التي سادت بين هاتين القوتين العظيمتين بإستقطاب الحلفاء وإستخدام الوسيط أو ما يمكن أن نسميه الحرب بالوكالة في ظل غياب حرب معلنة ومواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي فكانت علاقة الجزائر الحديثة الإستقلال بالمحور الإشتراكي متميزة للغاية، وهي التي احتضنت الثورة الصحراوية في مهدها فاتحة ذراعيها بدعم سياسي ولوجيستي غير محدود وفي كافة المجالات ، بالإضافة إلى التوتر في العلاقة مع فرنسا حليفة المملكة المغربية بسبب تأميم البترول والغاز الجزائري من طرف الرئيس هواري بومدين والإرث الاستعماري الثقيل والدموي الذي يرقى إلى جرائم الإبادة الجماعية.
– الشروط الذاتية: رسخت حركة جبهة البوليساريو وهي في سن الفطام معادلة إيديولوجية قائمة على الكفاح المسلح والتنظيم السياسي وحاولت تكريس نوع من التلازم بينهما، فقد أفرزت سنوات الحرب والممارسة السياسية بلورة فكرة الوحدة الوطنية بعيدا عن التجاذبات القبلية كما ساهمت قيمة الإنتصارات الميدانية في ساحات الوغى، رغم تكلفتها البشرية إنطلاقا من أن الشعوب تحيا بالدماء وتموت بالدموع، قوافل من الشهداء ومئات المعطوبين والجرحى، بالإضافة إلى المكتسبات الخارجية المتمثلة في الإعتراف المتنامي والمتصاعد للجمهورية الصحراوية على مستوى العالم. هذه العوامل وأخرى أيضا حققت قدر من التوازن بين التنظيم السياسي والقاعدة الشعبية والمؤسسة العسكرية رغم بعض المطبات التي كادت أن تنسف بالمشروع الوطني خاصة أحداث 1988. لكن رغم ذلك بقيت اللحمة الشعبية عصية على التفكيك والتشرذم نظرا لعدة اعتبارات، أهمها مرتبط بالنضج السياسي والفكري لبعض النخب الحاكمة في تلك الفترة، والوعي الجماهيري الذي كان مؤطرا ومستعد لتلقي هكذا صدمات بالقدرة على إجهاضها في الرحم وإخمادها في مراحلها الجنينية رغم الإنتهاكات الجسيمة التي شابت المقاربات الأمنية من طرف بعض القادة المعروفين بسجلهم الأسود الملطخ بدماء الأبرياء. 
انتقلت قضية الصحراء الغربية في مسارها التاريخي إلى منعطف مفصلي تجسد بالإنخراط الكامل في مخطط التسوية الأممي بشروط إرتجالية لم تستشرف الرؤية المستقبلية على ضوء الخصائص الجيوسراتيجية بتداعياتها الحالية، فرهنت القضية بين التجاذبات الإقليمية والتطورات الحاصلة في العلاقات الدولية القائمة أساسا على المصالح البرغماتية، مما أدى إلى تمييع القضية وربط مصيرها بمفاوضات عبثية بدون ضمانات دولية فإستهلكت مسافات زمنية بدون جدوائية، فظهرت إخفاقات في تدبير المرحلة التي إتسمت بالركود نتيجة حالة ألا سلم والا حرب. فالجمود الفكري بعدم تجديد آليات الخطاب السياسي وخلق ميكانيزمات جديدة للمواجهة أدى إلى تراجع التحفيز النضالي وتآكل البنية التنظيمية وتصدع الهياكل الحيوية والسوسيو ثقافية. فالتعليم أصبح عقيم نظرا لتكلس الطرق البيداغوجية وعدم فاعلية المناهج التعليمية والنزيف الحاصل في المدارس التعليمية بتسرب الأطفال من أقسام الدراسة العمومية والعزوف عن التحصيل المعرفي المواكب للعصر واللجوء إلى الكتاتيب ذات الثقافة التقليدية العتيقة المؤدية في غالب الأحيان إلى التطرف الديني وبالتالي تفريخ الإرهاب.
الصحة متردية، نقص حاد في التجهيزات الطبية، قلة في الكوادر المهجرة المتملصة من المسؤولية الإنسانية والأخلاقية، تقصير واضح في مراقبة الصحة العامة برصد الأمراض والأوبئة والوقاية منها، التي تنخر النسيج المناعي والحمائي وخاصة عند الأطفال والشيوخ نتيجة إنتشار ظاهرة تربية الأغنام بين السكان مما نتج عنه ظهور مرض حمى الألبان، بالإضافة إلي الروائح المشبعة بغاز الميثان وهو خليط من الغازات الهيدروكربونية تسبب أضرار وخيمة على الصحة كالأمراض التنفسية والسرطانية بسبب الشركات الصينية التي تنشط في إستغلال الصخور الغازية قرب مخيمات اللاجئين الصحراويين.
لقد فقدت القيادة الرشيدة الوقوف أمام الإكراهات المفروضة، فأصبحت مجرد صور تذكارية منتشية بمواقعها الشكلية، غير متواجدة بشكل يجعلها متفاعلة مع النبض الجماهيري. الفساد مستشري في المفاصل الإدارية، تخبط في التسيير بإتخاذ قرارات غير مدروسة كتقييد حرية التنقل وهو حجر الزاوية في النشاط التجاري البسيط والمحدود كما يعتبر تسفيها للوجدان الجماعي على أساس أن حرية التنقل طبيعة فطرية للإنسان الصحراوي عبر العصور والأزمنة، والمسؤولية المباشرة عن المؤامرة الدنيئة والتي دبرت في ليل لئيم للدكتور الخليل أحمد المستشار الرئاسي لحقوق الإنسان وتغييبه بطريقة ممنهجة عن المشهد السياسي كجريمة مزدوجة ثابتة الأركان وغير قابلة لتّقادم.
لقد أصبحت القيادة الرشيدة مجرد منظومة برغماتية تحركها فقط الرغبة في البقاء بالإستئثار بالقرار السياسي والسطو على الإرادة الجماعية. حيث لم تعد ترغب على الإطلاق في تطوير آليات الحوار على قاعدة مشروعية الإختلاف، وإذكاء الإحساس الهوياتي إلا بالقدر الذي يمكنها من الإستمرار الديماغوجي على أنقاض التاريخ.

- شارك المقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي :

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق