حقوق الإنسان بين الامتهان والابتذال

” المناضل الحقيقي، دائم العطاء يأخذ حقه من خلال حقوق الآخرين وليس على حسابهم”

ناجي العلي

منذ الأزل، وحقوق الإنسان متأصلة في جميع البشر، فالضمير هو الآلية المعيارية الذي تصان به الحقوق، وتحرس به الأعمال المرتبطة من دواعي التفريط والإهمال، فتبقى بذلك القاعدة القانونية رغم عموميتها وشموليتها مجرد وعاء نظري لتكريس مفهوم حقوق الإنسان والمحافظة عليه من كل الترسبات الإستيتيكية والمؤثرات الغوغائية.
ومع تطور المجتمعات الإنسانية، والتقدم التكنولوجي المتسارع والحاصل في وسائل الإتصال والتواصل، أصبح العالم قرية صغيرة، تنضح الشاشات السحرية عبر الفضاء الأزرق بكل تفاصيله وأحداثه وحيثياته.
حيث ساهم العالم الإفتراضي في الكشف عن الكثير من خروقات حقوق الإنسان في العالم، فأصبح ما يقع في بورما أو كشمير أو الصحراء الغربية، يصل صداه إلى كل أصقاع العالم بالصوت والصورة كشاهد عيان ودليل مادي على الجرائم التي ترتكب في حق الحرية والإنسان.
وفي خضم هذا التماهي مع قضايا حقوق الإنسان عبر العالم، بوصفها نموذج للسلوك البشري يفهم على أساسها أن الحقوق الأساسية خط أحمر لا يمكن المساس بها بأي شكل من الأشكال، فهي أصيلة ومستحقة، بغض النظر عن الهوية أو مكان التواجد أو اللغة أو الدين أو الأصل العرقي أو أي وضع آخر.
وفي هذا الإطار نلاحظ في الآونة الاخيرة نوع من المنافحة المحمومة في موضوع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية بين تياران متماهيان في نفس الفعل الميداني ومتناقضين في الإتجاه والتصور.
التيار الأول مدعوم من طرف قيادة جبهة البوليساريو قديم جديد ظهر جليا مع الإرهاصات الأولى لوقف إطلاق النار وبداية تطبيق مخطط التسوية الأممي وحالة الجمود الذي شهده الملف الصحراوي في وضعية ألا حرب والا سلم، وعجز القيادة العتيقة والمهترئة بمنطقها السائد حول الإنغلاق على الذات والنكوص في فهم الحقائق الموضوعية والمادية وبالتالي فشلها في تدبير هذه القضية المصيرية التي عمرت لخمسة عقود ومازالت ،بعدم تجديد الخطاب السياسي ولا خلق ديناميكية وحيوية لإستهلاك الإخفاق المتنامي واجتثاث الفساد المستشري في جميع المجالات، مما خلق حالة من الرفض والسخط بإنسداد الأفق وتقييد حرية التنقل وصعوبة شظف العيش والإحباط نتيجة حالة الإنتظار والترقب ألا متناهية، فالضواحل تنعم في السنوات العجاف.
فظهرت مجموعات تحمل لواء الدفاع عن حقوق الإنسان تفضح التدخلات الهمجية لآلة القمع بكل تشكيلاتها في وجه الأصوات الحرة المنادية بحق الشعب الصحراوي الغير قابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال، فنجحت إلى حد ما في تسويق الصورة البشعة لممارسات حقوق الإنسان في الصحراء الغربية وتداعياتها السلبية على مسلسل السلام ومخطط التسوية الأممي بظهور أصوات تطالب بإضافة آلية مراقبة حقوق الإنسان لمهمة قوات المينورسو.
ومع مرور الوقت أصبح موضوع حقوق الإنسان يأخذ على سبيل الترف الفكري والموضة الأيديولوجية يتسم بالإحتفالية والفولكلورية الموسمية، مجزئ وخاضع للإنتقائية، فأصبحت الجمعيات الحقوقية تحت الطلب تشتغل بنظام الريمونت كونطرول تجتهد في خلق توترات وكهربة الأجواء هدفها الإرتزاق والإمتهان وتنظيم الرحلات السياحية المدفوعة الثمن والتمظهرات الشكلية من أجل تحقيق مآرب شخصية ومكاسب مادية على حساب المعاناة الجسدية والنفسية للشعب الصحراوي وحقوقه المكفولة شرعا وقانونا.
التيار الآخر: يعبر عن قضايا حقوق الإنسان عبر الوسائطية، ظهر مأخرا على طريقة “كوكوت منوت” حيث يبقى تأثيره محتشما ومحدودا ومتهما بكونه يخدم أجندات سياسية للعدو،بالإضافة لكونه غير مأطر وغير منظم رغم المحاولات المضنية لبعض رواده من أجل فرض الوجود برفع شعار النقد من أجل تقويم الارتدادات والإختلالات وتصحيح المسار التاريخي لقضية الصحراء الغربية بتحديد مكمن الخلل ووضع الإصبع على الجرح الذي أصبح ينزف مأساة ومعاناة، إقتحم هذا التيار المجال تحت لواء (اللهم إن هذا لمنكر) وهو أضعف الإيمان، بفضح كل الممارسات الشاذة في حق الإنسان الصحراوي بالنيل من كرامته وكشف المسؤولين عن الجرائم كالإعتقالات التعسفية، والإعدامات خارج نطاق القضاء، والتعذيب الوحشي، والإختفاء القسري كحالة الدكتور الخليل أحمد المستشار الرئاسي لحقوق الإنسان والمغيب بطريقة ممنهجة لأكثر من عقد ونيف ومازال.
هذا التيار يحاول جادا خلق آليات لمكافحة الإفلات من العقاب وضمان المساءلة بموجب القانون انطلاقا من أن السياط لا تلغي القيم وأن المشانق لا تقتل المبادئ والإختطاف القسري لا يصادر الأراء والمواقف وأن التعذيب لا يميت الحقوق.
يقرون ونحن معهم في شموخ وصدق ( قل هو الله أحد ) كما قرئها بلال بن رباح، فعاش عليها ومات، وبقي صوته ينقل حيا على هواء القلوب عبر أثير الصدق والصمود والإصرار والصلاح والصبر.

- شارك المقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي :

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق